الجمعة، 17 أغسطس، 2012

رسالة إلى جدي ..





أتعرف مالذي يحزنني في موضوع علاقتنا يا جدي؟!
إننا ماعرفنا بعضنا البعض, إلا بعد ما انفض الجمع من حولك !
الجمع الذي كان يلفك في قوتك ويشكل حاجزاً بينك وبين حفيدتك التي لا تكاد تميز وجودها ضمن احفادك الكثر!
الجمع الذي ما أن قل حديثك، ووهن عظمك، وطال جلوسك ... تلاشى رويداً رويداً
مدعين إنهم "مشغولين" !
الصغار الذي كنت تلبسهم الشماغ و تفتخر بهم، تمادوا في الطول والعرض و طاروا في الشرق والغرب و غابوا كثيرا ً ,
على كل حال أنا ممنونة لهم :) , إن غيابهم .. منحني إياك
ولكن بعد ماذا ؟!

حسنا لم ينتهي الوقت بعد ..

شيخ مطرق في هيبته وهدوءه وحفيدة على باب العشرين ما الذي قد يجمع بينهما ؟!
كيف سأبدأ الحديث معك, كيف سأكسر هذا الحاجز الذي تنامى بيننا, منذ آخر مرة ضممتني فيها داخل بشتك الشتوي و نحن في روض الخُزامى, أذكر تلك اللحظة كأنها الآن, إنها من لحظات العمر الخالدة, كنت تقطف من ورد الخُزامي وتزين به ماخلف أذني وشعري القصير يتباهى على أقرانه من الجدائل التي ترقبه بحسد.
لم يدم الأمر طويلاً..فما لبث إن ضعت وسط أحفادك,وعدت أنت في صدر المجلس.
حتى جاء اليوم الذي وجدتك فيه وحيداً إلا من عصاك وصوت التلفاز يأتيك خافتاً غير مبالٍ به, قبلت رأسك ويدك وسألتك عن الحال في خجل, تكرر الأمر كل يوم, كانت أول سنة غربة عن بيتنا الصغير إلى بيتكم الكبير, دراستي الجامعية دفعتني لأخسر لحظاتي مع أمي وأبي والصغار, ولكنها اكسبتني " أنت " و حبكَ و تمييزكَ لي بعد عشرينَ تائهه!.
تكرر مشهد أول يوم, ثاني يوم و ثالث يوم .. وتوالت، أنت في جلستك البهية بعد المغرب بعد نهارك الطويل في المجلس, وأنا أتسلل وأفكر : كيف لا تعود تضمني تحت بشتك الوطن؟!
" الشعر " نعم إنهُ مفتاحي إليك, إنك الشاعر الذي حدثوني إنه في شبابه قد أبدع و برع, كنت اقتطف ملحق مجلة المختلف(وسم) وبعض صفحات المجلات القطرية,لم أكن أجيد إلقاء الشعر الشعبي الموروث, وكنت أحياناً أتعمد أن أخطأ, لكي أرى ابتسامتك الجميلة.. وأنت تصحح لي ماقرأته, كنت تحفظ الكثير وكأنك صفحة من عبق الماضي يتجلى أمامي بكل هيبته و أصالته.
و تصادقنا .. كانت البداية أن أقرأ لك, ثم انتقلنا إلى المرحلة التي بدأت تُحدثني فيها عن شعراءنا وآخر زمان الرجال كما تسميه, عن النوايا البيض رغم الليالي السود!
وبدأت العائلة تتهامس بإعجاب واستغراب .. عن رفقة الصبية وجدها.
الجميل في الأمر إنك قلت فيني أبيات من دون كل أحفادك, ولو إنها كانت أبيات " عتاب " لأني اضطررت لتركك كم يوم, ولم أشاركك لحظات السحور.!
و لكن عتابك هذا, كان بمثابة الوسام, لإني وأخيراً ظفرت بحبك رغم العشرين عام تيه!

و رويداً رويداً .. سرقك الصمت مني, تذكروا إنك متعب وتحتاج إلى حضورهم, أنا أكره الزحام, مثلك تماماً, أنا أعرف من نظرتك حين يتحلقون حولك يتناقشون عنك وكأنك لست المعني بالأمر, إنك تكره كثرتهم, إنهم لا يفقهون في الأمر شيء ..
الصمت لم يرحمنا, أنا لجأت للصمت ولم أنزعك من خلافاتهم حول من هو أحق برعايتك, وأنت لجأت للصمت و تركتني أضيع في بحر عينيك المطرقة بنظرة كالمدى!
هذه الأيام .. اشتاقلك في كل لحظة أجلس معك فيها, كل لحظة يمنعك فيها صدرك المثقل بالالتهاب من الحديث معي, و تكتفي بالضغط على يدي بيدك الموشومة بعلامات العمر وخطوط القدر, وأنت تطالع عيني تمدها بالمدد, كأن العمر الذي عشته يعبرني بنظرتك هذه, أقرأ الكثير منها, وابادلك بالصمت مثلك ..!


جدي .. أحبك
وسأنتظر فجر الغد, وقُبلة على رأسك الغالي تعيدني طفلة في العيد ..

,

قبل نهار عيد الفطر لعام 1433 هـ ,بنهار


ابنتك وصديقتك / أديم

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق